عبد الملك الخركوشي النيسابوري
30
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقيل لأبى يزيد « 1 » : متى يعرف الرجل أنه على حقيقة المعرفة ؟ فقال : إذا صار فانيا تحت اطلاع الحق ، باقيا على بساط الحق بلا نفس ، ولا سبب ، ولا خلق ، فهو فان باق وميت حىّ ، وحىّ ميت ، ومحجوب مكشوف ، ومكشوف محجوب ، فعند ذلك يصير هذا العبد والها على باب أمره هائما في ميدان بره ، متدلّلا تحت جميل ستره ، فانيا تحت سلطان حكمه ، باقيا على بساط لطفه . - وسئل أبو يزيد أيضا عن حقيقة المعرفة فقال : أن تعرف أن حركات الخلق وسكونهم باللّه عزّ وجلّ وحده لا شريك له . وروى أن اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى داود عليه السلام : « أن يا داود اعرفنى واعرف نفسك . فتفكر داود ثم قال : قد عرفتك بالأحدية والقدرة والبقاء ، وعرفت نفسي بالضعف والعجز والفناء ، فقال اللّه عزّ وجلّ : يا داود الآن عرفتني حق المعرفة » . وروى أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لو أنّ اللّه - عزّ وجلّ - عذّب أهل سماواته ، وأهل أرضه جميعا ، لم يكن ظالما لهم » . فقالوا : يا رسول اللّه يعذب أهل الأرض بمعاصيهم ، فما بال أهل السماء ؟ فقال : « لأنّهم لا يعرفونه حق معرفته ، أو لقلة معرفتهم به » ، وقد شكا الباري جل جلاله جميع خلقه في قوله عزّ وجلّ : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 2 » . وقد تتفاوت درجات عباده في معرفته . قال محمد بن واسع : حق لمن أعزّه اللّه تعالى بمعرفته ، أن لا يلتفت منه إلى غيره ، ولا يختار عليه أحدا سواه . - وسئل محمد بن واسع : هل عرفت ربك عزّ وجلّ ؟ فسكت ساعة ، ثم قال : من عرفه قلّ كلامه ودام تحيره . وقال بعضهم : من عرف اللّه عزّ وجلّ حق معرفته قلّ كلامه ودام فكره ، وقلّ استماعه ونظره في غير ذات اللّه عزّ وجلّ ، وفنى عن رؤية الأعمال ، وصار متحيرا مع الإيصال ، ومنقطعا عن الحال إلى ولى الحال ، وإنما الأمور بحقائقها لا بالحسبان ، فإنه رأس الخسران ، وبه زلت عن منازل الصديقين أقدامهم . ويقال : من عرف اللّه سبحانه كلّ لسانه ، ودهش عقله ، وأىّ دهشة أشدّ من دهشة العارف إن تكلّم بحاله هلك ، وإن سكت احترق .
--> ( 1 ) هو البسطامي . ( 2 ) سورة الزمر : 67 .